الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

21

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه تعالى خلق ملكا من الملائكة قبل أن يخلق السماوات والأرض ، وهو يقول : أشهد أن لا إله إلا اللّه مادا بها صوته ، ولا يقطعها ، ولا يتنفس فيها ، ولا يتمّها ، فإذا أتمها أمر إسرافيل بالنفخ في الصور ، وقامت القيامة تعظيما للّه عزّ وجل » اه . وينبغي لأهل لا إله إلا اللّه ، أن يحصلوا أربعة أشياء حتى يكونوا من أهل لا إله إلا اللّه : التصديق ، والتعظيم ، والحلاوة ، والحرية فمن ليس له التصديق فهو منافق . ومن ليس له التعظيم فهو مبتدع ، ومن ليس له الحلاوة فهم مراء ، ومن ليس له الحرية فهو فاجر . لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ( 8 ) ، فحسن الأسماء لحسن معانيها . وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ( 9 ) إِذْ رَأى ناراً ، أي أليس قد أتاك خبر موسى حين رأى نارا . روي أن موسى عليه السلام استأذن شعيبا في الرجوع إلى والدته ، فأذن له ، فخرج بأهله وأخذ على غير الطريق ، مخافة من ملوك الشام ، فلما وافى وادي طوى وهو بالجانب الغربي من الطور ، ولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية ، مثلجة ، وكانت ليلة الجمعة ، وقد حاد عن الطريق ، فقدح عليه السلام النار فلم تنوّر المقدحة شيئا فبينما هو في مزاولة ذلك ، إذ رأى نارا من بعيد على يسار الطريق من جانب الطور ، فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا في مكانكم أي لا تتبعوني في الذهاب إلى النار ، إِنِّي آنَسْتُ ناراً أي أبصرتها إبصارا بينا ، لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ ، أي لعلّي أجيئكم من النار بشعلة مقتبسة من معظم النار ، أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ( 10 ) ، أي عند النار من يدلني على الطريق . فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ أي فلما أتى النار رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها ، كأنها نار بيضاء ، فوقف متعجبا من شدة ضوء تلك النار ، وشدة خضرة تلك الشجرة ، فلا النار تغيّر خضرتها ، ولا كثرة ماء الشجرة تغيّر ضوء النار ، فسمع تسبيح الملائكة ، ورأى نورا عظيما ، ثم رمى موسى بنظره إلى فرعها ، فإذا حضرته ساطعة في السماء ، وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكلّ عنه الأبصار ، فلما رأى موسى ذلك ، وضع يده على عينيه ، فنودي يا مُوسى ( 11 ) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ أي فلما نودي يا موسى أجاب سريعا فقال : لبيك ، من المتكلم ؟ إني أسمع صوتك ولا أراك ، فأين أنت ؟ فقال تعالى : أنا فوقك ، ومعك ، وأمامك ، وخلفك ، وأقرب إليك منك فعلم أن ذلك لا ينبغي ، ولا يكون إلا من اللّه فأيقن به وسمع الكلام بكل أجزائه حتى إن كل جارحة منه كانت أذنا ، وسمعه من جميع الجهات . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أمر عليه الصلاة والسلام بالخلع ، لأن الحفوة تواضع للّه ، وحسن أدب معه تعالى ، إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ ، أي المبارك طُوىً ( 12 ) ، اسم الوادي ، أو اسم بئر قد طويت بالحجر في ذلك الوادي الذي كانت فيه الشجرة . قال أهل الإشارة : والمراد بخلع النعلين ، ترك الالتفات إلى الدنيا والآخرة . كأنه تعالى أمره عليه السلام ، بأن يصير مستغرق القلب بالكلية في معرفة اللّه تعالى ، ولا يلتفت بخاطره إلى